محمد جمال الدين القاسمي
433
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة . ولا تجحدوا هذه النعمة ، ويقال : النعمة ، في الحقيقة . هي العلم . وما سواه فهو تحول من راحة إلى راحة . وليس بنعمة . والعلم لا يملّ منه صاحبه . بل يطلب منه الزيادة . فأمر الله تعالى بشكر هذه النعمة ، وهي نعمة بعثه رسولا يعلمهم الكتاب والحكمة . كما قصه الحراليّ . ولما كان للعرب ولع بالذكر لآبائهم ولوقائعهم ، جعل ، تعالى ذكره ، لهم عوض ما كانوا يذكرون . كما جعل كتابه عوضا من أشعارهم . وهزّ عزائمهم لذلك بما يسرهم به من ذكره لهم . و روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » « يقول الله عز وجل : أنا مع عبدي حين يذكرني . فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي . وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خير منهم . وإن اقترب إليّ شبرا اقتربت إليه ذراعا . وإن اقترب إليّ ذراعا اقتربت إليه باعا . فإن أتاني يمشي أتيته هرولة . صحيح الإسناد أخرجه « 2 » البخاريّ أيضا . و روى مسلم « 3 » عن أبي سعيد الخدريّ وأبي هريرة : أنهما شهدا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم الله فيمن عنده . والآثار في فضل الذكر متوافرة ، ويكفي فيه هذه الآية الكريمة . ( تنبيه ) قال النوويّ رحمه الله تعالى : اعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوهما . بل كل عامل لله تعالى بطاعة ، فهو ذاكر لله تعالى . كذا قاله سعيد بن جبير رضي الله عنه ، وغيره من العلماء . وقال عطاء رحمه الله : مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام . كيف تشتري وتبيع . وتصلى وتصوم ، وتنكح وتطلّق . وأشباه هذا . وقال النوويّ أيضا : إن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها . واجبة كانت أو مستحبة ، لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع ، لا عارض . وقد صنف ، في عمل اليوم والليلة ، جماعة من الأئمة كتبا نفيسة . ومن أجمعها للمتأخرين ( كتاب
--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد بن حنبل ، 2 / 251 ورقم 7416 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : التوحيد ، 15 - باب قول اللّه تعالى وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ * ، حديث رقم 2599 . ( 3 ) أخرجه مسلم في : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، حديث 39 .